أشباح قصائد محمود البريكان لا تنام علي منضدة الشعر أبواق الغزاة تضج في ليل المدينة الطويل

  • الخميس 31-03-2011 02:35 صباحا
  • القراءات: 1238
  • الخميس 31-03-2011 02:35 صباحا

    جبار النجدي
    تنشغل هذه القراءة لعدد من قصائد الشاعر الراحل (محمود البريكان) بإثارة خلاف قائم بين تعددية القراءة وما يترتب عن هذه التعددية من انفتاح حر، وبين انغلاق المقروء وما يتبعه من عصيان، وبالتالي فإن هذه القراءة تقوم علي إحداث نوع من العطالة للمؤديات الناجمة عن (اللعبة الماكرة للكلمات) ومحاولة إظهار ما تضمره إلي الحد الذي يكون طافية فوق سطح النصوص، إيذاناً بمغادرته والشروع بتأهيل النصوص ذاتها بهدف إعادة إصدارها من جديد، ضماناً لتأدية مهامها علي الوجه الذي يجمع شبح بإنسان، وللحد الذي يصبح كل منهما بمثابة الآخر، وبناء علي ذلك نري أن الجزئية المفقودة من جسد إنسان في قصيدة (انتماءات) مثلاً من شأنها أن تبتكر قريناً خيالياً شبحياً مكملاً لجسدية الإنسان ذاته، وعلي وفق رؤية غائبة انطلاقاً من جزء مفقود من الجسد يقع في الظلمة:
    وحيداً انتمي حرّاً إلي فكره
    إلي جزء من الانسان في الظلمة مفقود
    إن هذا الفقدان الجزئي يتماثل مع لغة الشاعر التي تخفي شيئاً تتحدث عنه باستمرار الأمر الذي يؤكد أن حضور العلاقة الشبحية بالانسان هي نتيجة جهد شعري يعود بأصله إلي الاشتغالات الشعرية للبريكان بأكملها، ولا تسجل أي خروج عنها، الأمر الذي يجعل من أشباح البريكان جزءاً فاعلاً من أدائه الشعري الذي يلجأ في الغالب إلي مفصل استبدالي غرضه إتاحة الصورة الأفضل لظهور مخاوف الانسان وطبيعة هذه المخاوف وخصائصها غير القارة، التي تماثل إلي حد كبير الخصائص غير القارة والموصولة بمتغيرات الاشكال المختلفة لرؤية شبح ما، هذه الرؤية التي تتغاير بدورها من قصيدة لأخري، لتنتج في النهاية إرسالية دلالية تحمل مخاوف الإنسان من نفسه قبل مخاوفه من الشبح ذاته، وعلي الرغم من أن رؤية شبح ما، تساورها الريبة علي الدوام، إلا أن هذه الريبة كان قد استعارها الشبح من الانسان ذاته ليخيفه بها قبل غيره:
    وسمعت أبواق الغزاة تضج في الليل الطويل
    ورأيت كيف تشوه الأرواح جيلاً بعد جيل
    وفزعت من لمعان مرآتي: لعلّي كالمسوخ
    مسخ تقنعه الظلالْ
    وإذا كان الجزء المفقود من الجسد في ظلمة نجهلها هو أحد دواعي ظهور شبح ما، فإن هذه الحالة تفترض بالضرورة بأن جزء من الجسم البشري أو حالة يعيشها تنتمي لشيء آخر هو الشبح الذي تتم ملامسته بالرؤية فحسب، ولكن بغير دليل ملموس، وهنا تكمن أهمية (اشباح البريكان) إذ يمكن لمحنة ما يتعرض لها الانسان أن تتحول إلي شبح - تجيد إعارة هوية الآخر والأشياء معاً، ولعلّ هذا ما يحدث في قصيدة (هواجس عيسي بن الأزرق في الطريق إلي الأشغال الشاقة):
    وساعة فساعة أنظر في وجوم
    إلي البراري والمحطات. أفيّ سبات
    أنا؟ أمن عالمي انتزعتْ، ما أزالْ
    أراقب الأشباح. أشخاص يلوحون
    يعدون، يضحكون. يصعدون. ينزلونْ
    كأنهم ليس سوي أشباح ذكريات
    كأنهم ليس سوي حشد من الظلال
    في حلم غريب
    ومثلما يتحول كل شيء من حول (عيسي بن الأزرق) إلي رؤي شبحية استجابة لمحنة من شأنها أن ترينا الهواجس المريرة والحزن الداخلي العميق الماثل في نفسه علي هيأة مرئيات تعج بالأشباح، فإنه يتماهي في ذات الوقت مع هواجسه لينتج أشباحاً لا يراها أحد سواه، لكنها قادرة علي التجوال في مشاعر العدم الكامنة في نفسه وخارجها معاً، هذا الاسقاط الشبحي علي مستوي (داخل النفس وخارجها) لا يمنع من اسقاط شبحي سجالي متبادل بين الانسان وأشباحه، إذ نري بموجب ذلك إن الانسان في قصيدة (حارس الفنار) يتطلع إلي أشباح مصنوعة من مجهولية الانتظار الذي بمقدوره أن يولّد تساؤلات لا تنقطع عن هذه المجهولية التي لا علم له بمدي زمنيتها،غير إنها زمنية لا منتناهية طال أجلها أم قصر في غضون ما تستغرقه حادثة ما:
    أعددت مائدتي. وهيأت الكؤوس. حتي يجيء
    الزائر المجهول
    أوقدتُ القناديل الصغار
    ببقية الزيت المضيء
    فهل يطول الانتظار؟
    أنا في انتظار سفينة الأشباح تحدوها الرياح
    وعلي وفق ذلك نري أن البريكان يتوجه إلي صياغة مخاوف الانسان بمديات شبحية لامتناهية، مستعيناً بما تتسم به الأشباح من سمات ذات طبيعة تداولية لدي المتلقين، الذين هم بدورهم يتراءون كمتلقين كما هي الأشباح تماماً، إذ ليس بإمكاننا أن نمنح المتلقين تعريفاً محددا لصفاتهم وطرق تلقيهم، واستكمالاً لذلك يتسني للشاعر (البريكان) نقل مخاوف الانسان عن طريق وسيط شبحي (تفرّ منه الكائنات) بما فيهم الانسان نفسه، إشارات شبحية هي في حقيقة الأمر انعكاس لما ينتجه الانسان نفسه وهو انتاج يرتد إلي الحاضنة المكانية لتعيد انتاجه من جهتها، وليس أدلّ علي ذلك ما يتولد عن قصيدة (النهر تحت الأرض) من غرائبية شبحية إنه (شبح مائي) يحيلنا إلي افتراض لا يمكن إثباته:
    النهر الغامض
    لا اسم له
    لا أثر له
    في أي خارطة
    في أي دليل سياحة
    النهر الغامض تحت الأرض
    يجري أبداً
    يجري يجري..
    ينبغي القول إذن بأن (أشباح البريكان) تسمح لنا برؤية شيء بوجوه متعددة، وجه يخيفنا ووجه آخر ناجم عن مخاوفنا، ثم وجوه تتكاثر عبر الأشياء والموجودات من حولنا، الأمر الذي يجعلنا ندرك أن البشر والأشياء من جهة قصائد البريكان هما سيرورة شبحية، بل أن أغلب البشر إن لم نقل جميعهم يسيرون وهم نيام، وبالتالي فهم ينتجون من خلال نومهم ضرباً من الرؤية الشبحية المتحركة والمستغرقة في نومها بآن معاً:
    أروي لكم عن كائن يعرفه الظلام
    يسير في المنام أحياناً. ولا يفيق
    اصغوا إليّ اصدقائي: وهو قد يكون
    اي امرئ يسير في الطريق
    في وسط الزحام
    وقد يكون بيننا الآن وقد يكون
    في الغرفة الأخري يمط حلمه العتيق
    .....................
    يمرّ بالناس الكثيرين وبالأشجار
    فلا يري شيئاً. وقد يبتاع في الطريق
    جريدة يقرأ فيها آخر الأخبار
    وهو غريق بعد في سباته العميق وهكذا يتحول كل بيت شعري لدي (البريكان) إلي علامة تضيف دالاً إلي المشهد، الذي يشير بما فيه الكفاية إلي ظاهرة دلالية- سيمائية تنتجها طريقة التعامل مع كائن مختلف عن الانسان ومتطابقة معه في آن، أي أن الرؤية الشبحية التي يقدمها شعر البريكان تدل علي علاقات ذات دلالات غامضة ومتجلية في الأوان ذاته، باعتبار أن أشباح البريكان هي علامات إبلاغية قبل كل شيء تنطوي علي دالات بصرية تنتمي هو الآخر إلي السلوك المشتق من الإنسان، في حين أن الإنسان ذاته ينتمي هو الآخر إلي السلوك المشتق منها، فعلي الرغم من أن الشبح هو علامة غير لسانية في شعر البريكان، لكنه - يمارس التحديق الابلاغي بإفراط وشدة، إنه الصامت والمتكلم بغزارة.
    إن المقارنة بين قصيدتي (خطان متوازيان) و(الوجه) يدلنا علي أن كلا القصيدتين لا تسمح لنا معرفة الانسان لمفرده علي وجه التحديد، فالانسان لا ننتهي من معرفته من دون استكمال معرفته الشبحية اللامتناهية. إن الإنسان والشبح يقرّان بعجزهما عن شرح نفسيهما، ونستدل علي ذلك بما يحدث في قصيدة (خطان متوازيان) فثمة جسد طفل يلفت نظرنا بوجهه الملتصق بالزجاج، لكنه حين يغيب في لحطة خاطفة لا يترك من جسده سوي أثر لرؤية شبحية سرعان ما تزول ولا يبقي منها سوي (رسم وجه هارب):
    في المطعم الصاخب
    أطلّ من خلف الزجاج عابر صغير
    بوجهه الشاحب
    أطلّ لحظتين
    أسقط قطرتين
    ............
    أغمد نظرتين في الأطباق نهمتين
    وحكّ أنفاً وسخاً قصير
    ببارد الزجاج. لكن أعين الناس
    همّتْ به فغاب
    وظلّ رسم وجهه الهارب
    علي زجاج المطعم الصاخب
    كالوسم في الضباب
    وعلي غرار ما يحدث في قصيدة (خطان متوازيان) يمكننا رؤية ما يحدث في قصيدة (الوجه) لا سيما وأن ما يجمع بين هذين الوجهين في القصيدتين هو حالة (الغياب) فثمة وجه (هارب) وآخر (غريق) وعلي هذا النحو فإنهما لا يشكلان حضوراً بقدر ما يشكلا أثراً ينتج تحويلاً لخصائصهما عبر حلول شيء محل شيء آخر استجابة لمثيرات لحظة ما:
    يقذف عبر الزجاج
    نظرة من عذاب ورعب
    وتغيبه الريح ثانية..
    نفسه. ذلك الوجه ، حين يسح المطر
    عند منتصف الليل
    يظهر ملتصقاً بالزجاج كوجه غريق
    يتموج مشتعلاً بالبروق
    وعلي وجنتيه تسيل قطرات المطر
    والدموع
    وفي سياق آخر تتحول شبحية (الوجه) في قصيدة (الطارق) إلي شبحية جسد بأكمله، إذ يكون بوسعنا أن نلمس أشكالاً متنوعة لظهور الشبح في شكله الذي لا يمكن أن يكونه أبداً، طالما أنه يمثل إحالة مبهمة علي شيء آخر، هي بمثابة (رؤية) تستعصي علي أي تحديد، فلا اثبات لصفاتها وبالتالي فإننا نجد بها حاجة إلي الامتداد واللاتناهي الذي يمنحها القدرة علي إثارة تساؤلات محيرة:
    مَنْ الطارق المتخفي؟ تُري؟
    شبحٌ عائدٌ من ظلام المقابر
    ...................
    روح علي الأفق هائمة أرهقتها جريمتها
    أقبلت تنشد الصفح والمغفرة؟
    رسول من الغيب يحمل لي دعوة غامضة
    ومهراً لأجل الرحيل؟
    وبناء علي ما سبق يتضح أن قصائد الشاعر محمود البريكان تمتلك شاشات متعددة لعرض ما يتعلق بالأجساد وما يقابلها من أشباح، وبموجب ذلك يكون بوسعنا القول أن أساس هذا العرض المتعدد هي تلك القرابة القائمة بين بعيدين متعارضين، لكنهما متوافقين وممتلئين بحركة حياة بأكملها.
    التعليق السريع
    كاتب المشاركة :
    العنوان :
    النص : *


    » اراء وافكار


    عملية الكنس المقدسة ..التي يقودها العبادي
    ظاهر صالح الخرسان


    مسببات الموت في وطني.....وقانون منع التدخين
    الدكتور يوسف السعيدي


    أصابع ناعمة ملكت قلوب الجبابرة
    اكرم التميمي


    مذبحة سبايكر ...هادي جلو مرعي


    بيوت ذي قار مسكننا لكل نازح وسلطتها المحلية خدما لهم .
    حسين باجي الغزي


    ذي قار بيتآ لكل العراقيين
    حميدة مكي السعيدي


    متعب ملك السعودية القادم
    هادي جلو مرعي


    السيبندي وولاء السلطان
    بقلم اكرم التميمي


    مقتدى الصدر .خارج عن المألوف ..سرايا السلام أنموذجاً ح1
    ظــاهر صـــالح الخرســــان


    السلطه الابديه...والحاكم اليعربي
    الدكتور يوسف السعيدي

    » facebook

    © 2013 جميع الحقوق محفوظة لـ وكالة بوابة ذي قار
    كل ما يرد في اقسام المقالات وهموم الناس والتعليقات لا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع باي شكل من الاشكال ، ويتحمل الكاتب وحده جميع التبعات القانونية
                                                                                           ذي قار: تسجيل حالتي قتل من قبل مجهولين       سيد دخيل: مديرية الموارد المائية لم تضع حلولاً جذرية لأزمة المياه في القضاء       خلو مخازن وزارة التجارة في ذي قار من مفردات الحصة التموينية       ذي قار تخفف النفقات الحكومية لتأمين أموال مشروع التنظيفات والحفاظ على اجور العاملين       سومو: صادرات نفط العراق من البصرة ستتجاوز 2.6 مليون برميل في كانون الاول       أوبك: من المؤمل أن ينتعش سعر النفط بنهاية النصف الثاني من 2015       أمانة مجلس الوزراء توجه بعدم التدخل في تعيين او اقالة المفتشين العموميين       العبادي من الكويت: العراق على وشك تحرير جميع اراضيه من داعش       البرلمان يقرر اسئتناف جلساته بالسابع من الشهر المقبل في حال عدم وصول الموازنة       الفرات الأوسط تعلن دخول أكثر من أربعة ملايين زائر إلى النجف لإحياء ذكرى وفاة الرسول